الرئيسية / مجلة أثرى / دراسة في ملحمة جلجامش

دراسة في ملحمة جلجامش

مقدمة:
لقد عرفت حضارة ما بين النهرين السومرية والآشورية والبابلية تطوراً عظيماً على مستوى المعرفة والحضارة القديمتين.. وبعد أن عرف الإنسان القديم المحاولات الأولى للتعرف على ظواهر هذا الكون وموجوداته، رافق كل ذلك نشوء العناصر الأساسية المميزة للحضارة كالمدن وأنظمة الحكم والكتابة والتدوين والشرائع المدونة والفنون والآداب والأنظمة الدينية.. ومع تطور هذا الإنسان بأدوات إنتاجه وفكره، كانت الخطى التطورية متسارعة وهي التي مكنته من التعرف على هذا الكون ذهنياً ومادياً بواسطة العقل وقدرة التخيل الخلاّق، وإن هذين العنصرين كانا يمثلان طريقته الفكرية والتأملية، وقد ساعدا العقل البشري لاحقاً على اكتشاف بداية الطريق الصعبة جداً والذي مازال يسير في دروبها بخطى جبارة خطيرة ومؤرقة.. ومن هنا نستخلص الأهمية الكبرى لحضارة مابين النهرين؛ لأنها مثلت أول حضارة إنسانية مشرقة استطاعت أن تقدم قدرات هائلة على مستوى الفكر والعمل.. ونحن في هذا السياق سنحاول أن نبحث في ملحمة كلكامش  التحفة الأدبية الخالدة التي عرفتها البشرية منذ آلاف السنين.
ـ سبب شهرة ملحمة كلكامش:
لعل من أبرز الأسباب التي أكسبت الملحمة شهرة واسعة قديماً وحديثاً كون موضوعها إنسانياً محضاً، يقول الأستاذ سبايزر في هذا الصدد:”إنّ ملحمة كلكامش تتعامل مع أشياء من عالمنا الدنيوي مثل الإنسان والطبيعة،الحب والمغامرة، الصداقة والحرب، وقد أمكن مزجها جميعاً ببراعة متناهية لتكون خلفية لموضوع الملحمة الرئيسي ألا وهو (حقيقة الموت المطلقة)، إن الكفاح الشديد لبطل الملحمة من أجل تغيير مصيره الإنساني المحتوم.. عن طريق معرفة سر الخلود من رجل الطوفان ينتهي بالفشل في نهاية الأمر.. ولكن مع ذلك الفشل يأتي شعور هادئ بالاستسلام، ولأول مرة في تاريخ العالم تجد تجربة عميقة على مثل هذا المستوى البطولي تعبيراً بأسلوب رفيع”.
إن مدى الملحمة ومجالها وقوتها الشعرية العارمة جعلتها تنال إعجاب الناس في كل العصور القديمة والحديثة.. ففي العصور القديمة انتشر أثر هذه الملحمة الشعرية إلى لغات ومراكز حضارية عديدة واليوم تستحوذ على الشعر وعشاقه على حدٍ سواء.
ـ شخصية البطل كلكامش:
إن بطل الملحمة شخصية تاريخية وهو الملك السومري كلكامش، سادس ملوك سلالة الوركاء الأولى حكم في حدود 2650 ق.م ولا شك في أنه كان ملكاً عظيماً وبطلاً شجاعاً، وصاحب خصائل ومنجزات فذة مما حمل الشعراء القدامى على تخليد ذكراه في هذه الملحمة الفريدة. وعلى الرغم من أن ملحمة كلكامش نتاج بابلي صرف بلغتها وخيالها ومضامينها؛ إلا أنها بكل تأكيد ترجع إلى أصول سومرية قديمة كانت المنبع الذي استقى منه المؤلفون البابليون مادتهم. كما أن الاختصاصيين يجمعون على حقيقة كلكامش كملك عاش في بلاد ما بين النهرين قبل ثلاثة آلاف عام من الميلاد.
ـ لمحة عن الملحمة:
لا شك في أنّ طبيعة الحديث عن الأساطير السامية تتطلب منا قبل كل شيء أن نتعرف إلى هذه الأسرة ووطنها، والشعوب التي تنطوي تحتها وطبيعتها، ومدلول اللفظ ومصدر التسمية سامي نسبة إلى سام أحد أبناء نوح الثلاثة، والتاريخ يحدثنا أن من بين تلك الشعوب السامية أمماً مكنتها بيئتها من إقامة حضارة وخلق ثقافة، ومن تلك الحضارات البابلية الآشورية، الآرامية، الكنعانية، السبائية.. ومن تلك الأساطير أسطورة البطل كلكامش التي تعتبر أشهر أسطورة عرفتها الآداب السامية. ولعل أكثر الآداب تأثراً بها هي العبرية واليونانية، وموضوع هذه الأسطورة يدور حول محاولة كلكامش الحصول على الحياة الخالدة وبلوغ مرتبة الآلهة، ونستطيع أن نقسم أسطورته إلى ثلاثة أقسام: الأول: يبين لنا كيف التقى كلكامش بأنكيدو وأصبحا صديقين.
الثاني: يحدثنا عن مغامرات الاثنين حتى موت أنكيدو.
الثالث: محاولة كلكامش بلوغ الحياة الخالدة وأسطورة الطوفان..
فبعد مقدمة كتلك نجدها في الأوديسا تعدد فيها أعمال كلكامش وبطولاته نجد أنفسنا في مدينة أوروك التي يحكمها البطل كلكامش الذي ثلثاه إلهي وثلثه بشري والذي كلّف شعبه يوماً ما بناء سور المدينة ومعبدها، فشق هذا العمل على السكان فتذمروا لذلك لجأوا إلى الآلهة يرجون رفع الظلم عنهم، فقررت الآلهة خلق كائنٍ بشري يشبه كلكامش قوةً لينافسه في سلطانه ويثنيه عن إتمام العمل الذي سخّر شعبه فيه، أما هذا الشخص الذي خلقته الآلهة فاسمه (أنكيدو) وكان جلده مكسواً بالشعر، وكان يحيا حياة الفطرة والسذاجة، فيرعى الحشائش مع الغزلان ويشرب حيث تشرب البهائم فقامت بينه وبين تلك الحيوانات صداقة ومودة.. حتى أنه كان يذود عنها ضد الصياد إذا هم باقتناصها، فحنق الصياد عليه وأراد الإيقاع به وفكّر ثم فكّر، وأخيراً قرّ قراره على أن يذهب إلى أوروك ويتفق مع عاهر من عاهرات المدينة على معاونته، فطاوعته وذهبت معه حيث يقيم أنكيدو والتقت به وراودته عن نفسه وأقامت معه ستة أيام وسبع ليالٍ لاحظ بعدها أن الحيوانات نفرت منه، واقترحت العاهر أن يترك حياة البراري والمراعي ويعود معها إلى أوروك، وصل أنكيدو المدينة، واتفق أن أوروك كانت في ذلك اليوم لابسة حلة العيد، فبينما كان كلكامش يهم بالدخول للمعبد إذ بأنكيدو يعترضه ويقوم بين البطلين صراع عنيف ينتهي بانتصار كلكامش الذي مدّ يده وصافح خصمه، ونشأت بين الاثنين صداقة حميمة ولم يفرّق بينهما إلا الموت.. وهنا ينتهي القسم الأول.
أما القسم الثاني فيتحدث عن مخاطرات الصديقين في غابات الأرز الجميلة، حيث يسكن الجبار (خمبابا) الذي صرعاه، كما يصف لنا غرام الإلهة (عشتار) بكلكامش لبطولته واحتقار كلكامش لها والصراع الذي قام بينهما، وانتهى بانتصاره عليها، ولكن كل هذه الانتصارات لم تحُل دون تسرب الحزن إلى نفس كلكامش لوفاة صديقه أنكيدو.. هذه الوفاة التي دفعت كلكامش إلى التفكير في النجاة من هذا العالم السفلي (الموت) الذي خطف صديقه كما شق عليه أن ينتقل بعد حين إلى عالم الأموات الذي وصفته روح أنكيدو وصفاً مخيفاً.. وهنا تنتقل بنا الأسطورة إلى القسم الثالث الذي يصف محاولة كلكامش بلوغ مرتبة الآلهة أو الخلود، فنراه يفكر في جده (أوتنابشتم) الذي كان آدمياً ثم وُفق وصار إلهاً، وكان الوحيد الذي نجا من الطوفان، وهو يعيش في جزيرة ملأى بالحدائق الغنّاء تعرف بجزيرة الأبرار. يصمم كلكامش على الذهاب إلى جده يسأله ما الذي يجب عليه أن يسلكه ليبلغ غرضه، فتحدثنا الأسطورة أنه اخترق كثيراً من الصحاري والقفار، والتقى بالأسد وغيره من الوحوش التي نازلها كلكامش وانتصر عليها.. ومن ثم بلغ جبال (مارس) حيث تلتقي السماء بالعالم السفلي.. ويقوم عند الملتقى اثنان من البشر جسدهما جسد عقرب، ومن الغريب أن هذين الكائنين رحبا بمقدمه وزوداه بكثير من النصائح الثمينة التي تساعده على بلوغ جزيرة الأبرار، وبعد رحلةٍ طويلةٍ وصل إلى حيث يقيم جده، وقصّ عليه قصته ورجاه أن يحدثه عن كيفية نجاته من الموت، يرفض أوتنابشتم أن يقول السر في بادئ الأمر ولكنّ جدالاً يقوم بين الاثنين حول صحة هذا الرأي محتجاً كلكامش على بطلان أن الموت فرض على كل كائن على وجه الأرض.. فجده في الأصل كان بشراً ومن ثم صار إلهاً، بعدها يقص الجد القصة على حفيده القصة الآتية التي كانت سبباً في بلوغه مرتبة الآلهة: قبل خمس آلاف سنة عقد الآلهة البابليون اجتماعاً قرروا فيه عقوبة سكان مدينة (شوروباك) التي عصى أهلها آلهتهم وأغضبوهم، وكانت العقوبة عبارة عن طوفان يرسله الآلهة فيقضي على الحرث والنسل، ولكن الإله (أيـا) إله الحكمة وصديق البشر يعلم أن من بين سكان المدينة رجلاً حكيماً عرف برجاحة العقل وعمل الخير وهو أوتنابشتم فيتحدث (أيـا) إلى هذا الرجل ليساعده لأنه ليس من العدل أن يلاقي هذا الرجل حتفه مع الكفرة الفجار.. لذلك أخذ أيـا الإله يسعى لإنقاذ هذا الحكيم فيتحدث (أيـا) إلى حائط الكوخ الذي يعيش فيه أوتنابشتم، وللحيطان كما يقال آذان فيسمع حديثه حيث ينصحه (أيـا) بما يجب عليه عمله وهو أن يقوم لساعته ويصنع لنفسه فلكاً يعصمه ويعصم أهله وعشيرته.. وبعد أن تمت الاستعدادات أصدر الإله (شمش) أوامره إلى السحب فتهطل السماء مدراراً.. وفي اليوم السابع أقلعت السماء وابتلعت الأرض بالماء، واستوت الفلك على جبل (نيصير) حيث بقيت عليه سبعة أيام ولم يجرؤ أوتنابشتم على الخروج، ولجأ إلى حيلة من حيل الملاحين في العصور الأولى التي كانوا يتبعونها لمعرفة اليابسة.. نجا أوتنابشتم ومن معه فسرّ (أيـا) وغضب (إلّيل) إله الأرض الذي يسره هلاك الجميع فيدور بين الإلهين حوار لطيف ينتصر فيه (أيـا) وذلك لأن نجاة هؤلاء انتصار للعدالة الإلهية، فالبريء لن يؤخذ بذنب المسيء.. وقد اعترف (إلّيل) بخطأه وانتصر عليه (أيـا) وأثيب أوتنابشتم وزوجه ورفعا إلى مرتبة الآلهة.. وما كاد يفرغ أوتنابشتم من سرد قصته على كلكامش حتى ألحّ عليه الأخير أن يخبره عن طريقه بلوغ الخلود وبعد لأيٍّ أخبره أن في قاع البحر نبتة تُرجع الشيخَ صبياً فإذا حصل عليها وأكلها بلغ مراده.. فغاص كلكامش وأخرجها وعوضاً من أن يأكلها أراد أن يحملها إلى مدينته ليطعم منها سائر أفراد شعبه، لكن الذي حدث أن نزل ليغتسل في البحر فجاءت حية وأكلت النبتة فبلغت هي الحياة الأبدية وذلك بإلقائها من وقت لآخر جلدها والاستعانة عنه بجلد آخر يكسبها الشباب، ويعيد إليها قوتها.. لذلك اتخذها الأطباء البابليون شعاراً لهم وعنهم انتقلت إلى سائر أنحاء العالم، ومازالت حتى يومنا هذا رمز الطب والأطباء..
أما كلكامش فقد عاد إلى قومه حزيناً كئيباً.. أدرك أن الموت لا بد لاحقه وأدرك أيضاً أن الحياة فانية والموت آتٍ.. وعرف أن الحياة كفاح وجهاد، وكل ما في الوجود من قوة لن يُؤخر الأجلَ إذا حانت ساعته، ولكنّ يقينَ الإنسان بالموت يجب ألا يثنيه عن الجري وراء الكمال..
ـ ملحمة كلكامش وأثرها في الثقافة القديمة:
ما الذي تثيره فينا رسوم الإنسان البدائي التي نقشها على جدران كهفه المظلم؟ لماذا نقف بإعجاب أمام منحوتات العصور القديمة؟! كيف تسلل النحت الإفريقي إلى كثير من أعمال الفن الحديث؟ وما الذي يبهرنا في تماثيل براكسيتل وفيدياس وقد انقضت مئات السنين على اندثار الثقافة الإغريقية؟ لماذا نشعر بالرهبة والحيرة منذ آلاف السنين أمام أبي الهول والهرم الأكبر؟.. نتاج يدحر الزمن.. يبقى خارجه، وآخر يفنى آن الولادة، لماذا؟؟؟
يأتي العمل الفني تلبية لحاجة قائمة، وهذا جانبه العامي، يستلهم عرض اليوم ومشكل الساعة جمال المنفعة، جانبه الآخر خافٍ ردحاً، بادٍ أبداً.. يمتح من دفين الإنسان من عمق المسألة.. يستلهم باقي الجمال ـ جوهره ـ يهمس لثوابت النفس.. نقش الإنسان الحجري رسومه لأغراض السحر ثم زال سحره ومعتقده، وبقيت رسومه حية أبداً.. تماثيل مهيبة نحتت لتمجيد ملك أو قائد.. مات الملك القائد وبقيت الصور مستمرة بنفسها، تحدث عن ذاتها.. نراها فنعجب وندهش لأن الفن الباقي يخاطب الجزء الخالد فينا، حيزاً لا يمسه تغيير ولا يطاله تبديل.
ملحمة جلجامش مثَل نابض على خلود العمل الفني وتجاوز مفهوم المكان والزمان، بعد آلاف السنين الفاصلة، نقرأها كأنها كتبت لنا خاتمة الأمس، نمشي مع بطلها في تجواله فكأنه كل منا.. كأنّ أحدنا يمشي وظله وجزءاً من نفسه.. فكلكامش الإنسان المطلق في لب المسألة، بؤرة المأساة، يسأل ما لا يُسأل، يرفض المستحيل، ينطح القدر، يتحدى الآلهة، يبغي الثمار الحرام، يرفض حد التناهي، يرنو إلى اللا متناهي، رافضاً شرط البشر: البشر، وفي ثورته على الموت يستنفذ الممكن، يقرع باب المستحيل، وضع يليق بالإنسان الواثب أبداً، القافز نحو مراتب الألوهية، المتطلع نحو الكشف، الفتح، الانطلاق.. لقد سرق بروميثيوس سر النار الإلهية من السماء ونقلها للبشر، وكلكامش الآن يسرق لنا سر الحياة ولغز الموت، وبعد من يستطيع القول إن كلكامش قد فشل؟ ألا يزال بين ظهرانينا يلسن بكل اللغات الحية التي ترجمت لها ملحمته؟
ـ أثر ملحمة كلكامش في فكر المنطقة:
ملحمة كلكامش حشد من التأملات الفلسفية والميتافيزيقية حول الموت والحياة، والعالم الآخر بجنته وجحيمه، ومعضلة الإنسان الأزلية الخلود.. وموقف الإنسان من القوى الغيبية.. وملحمة كلكامش أول صرخة بشرية معروفة، تمجد الإنسان على هذه الأرض، تعلنه مركزاً للكون، وليس الفشل الذي مني به كلكامش إلا فشل جولة، لم يكن فشل قضية.. وبمقدار ما كانت الملحمة نتاجاً للمغامرة العقلية لإنسان المنطقة، بمقدار ما ساهمت بدورها إيجابياً في هذه المغامرة وأغنتها، وليس شيوعها في جميع أرجاء المشرق القديم إلا دلالة على وظيفتها في بلورة المعتقد الشائع في صيغة فنية رفيعة، لقد وجدت كل ثقافة محلية جزءاً من نفسها في هذه الملحمة.. فلو عالجنا أثر ملحمة كلكامش في كتاب التوراة وأشكال تسرب معظم الأفكار والتصورات الفلسفية والميتافيزيقية للملحمة إلى أسفاره وفصوله.
بالحقيقة نجد أن تأثر العبرانيين بهذه الملحمة لا يمكن أن يُعزى لمصدر واحد وانتشار أفكار هذه الملحمة في أسفار التوراة لا يمكن تفسيره بنقطة احتكاك واحدة أو قناة فريدة.. هي على وجه التحديد الإطلاع المباشر على ألواح الملحمة.. فرغم اكتشاف قطعة لوح صغيرة في مدينة (مجدو) تعود لنسخة عبرية مفقودة من الملحمة فإننا نعزو التأثر كلياً لهذا النوع من الإطلاع المباشر، لقد جاء استقرار العبرانيين في أرض كنعان أواخر الألف الثالث ق.م في فترة موسومة بتداخل الثقافات وسهولة انتشار المعتقدات، بالإضافة لما قدمه السبي البابلي لليهود من فرصة كبيرة للتعرف عن قرب على المعتقدات والديانات السائدة في أرض الرافدين، وعلى رأس التأثر بملحمة كلكامش (حادثة الطوفان الشهيرة) التي شغلت من ملحمة كلكامش فصلاً مهماً بارزاً.. وسيقف القارئ بنفسه على مدى الشبه العظيم بين روايات الطوفان لدى الأمم القديمة، وأطولها  وأسهبها ما ورد في التوراة، وبين رواية الملحمة لهذا الحدث الذي أثر في عقول أبناء الحضارات القديمة واقتبست أخباره ورواياته من أدب حضارة وادي الرافدين، والذي نعتقده بصدد هذا الطوفان.. أنه كان في الأصل حادثة تاريخية واقعية حدثت في طيات الماضي البعيد.. وكانت من جسامة التأثير وفداحته أنها تركت أثراً بليغاً في عقول الأجيال المختلفة، فتناقلتها بالروايات الشفوية فشوهت تفاصيلها التاريخية، وبالنظر لأوجه الشبه الكثيرة بين رواية الطوفان في ملحمة كلكامش وبين رواية التوراة، فإننا نعتقد أن كلتا الروايتين ترجع إلى حادثة واحدة.. وأنّ هذه الحادثة وقعت في العراق القديم ولا سيما في القسم الجنوبي منه، أي في السهل الرسوبي، وأن زمنها يرجع إلى نهاية العهد المسمى في تأريخ حضارة وادي الرافدين باسم جمدة نصر (في حدود 3200 ق.م) وإلى أوائل العصر الحضاري المسمى بعصر فجر السلالات (في حدود بداية الألف الثالث ق.م) كما يرجع ذلك بدلالة التنقيبات الحديثة حيث عثر على بقايا ترسبات طوفان تفصل بين عهدي جمدة نصر وعصر فجر السلالات في جملة مدن قديمة مثل كيش (تل الأحمر الآن) والوركاء وشروباك (فارة الآن).
ـ جلجامش وآدم وحـواء:
تأثرت قصة آدم وحواء التوراتية بالعديد من الأساطير الكنعانية والبابلية، فاسم آدم نفسه ليس إلا كلمة اوغاريتية تعني البشر أو الإنسان، ومن ملحمة كلكامش استوحت قصة آدم وحواء التوراتية فكرتين:
الأولى: فكرة المعرفة عن طريق الطقس الإدخالي للفعل الجنسي. الثانية: دخول الحية كأحد العناصر المسؤولة عن خسارة الخلود..
نجد أنكيدو في الملحمة البابلية وقد تحول عن حياته الوحشية بعد الفعل الجنسي مع المحظية صار واسع الفهم والمعرفة:
“تعثر أنكيدو في جريه، لم يعد كما كان”
“ولكنه صار ذكياً واسع الفهم والمعرفة”
كذلك آدم الذي تحول بعد أكل الثمرة المحرّمة ومباشرة الفعل الجنسي مع حواء من مغمض العينين كليل الذهن مغلقة إلى كاشف البصيرة عارف.. وكما أبعدت الحية آدم عن النعيم كذلك فعلت بكلكامش، ففي الطريق إلى وطنه بعد أن قطف نبتة الحياة:
“رأى كلكامش بركة ماء بارد
نزل فيها واستحم بمائها
فتشممت الحية رائحة النبتة
تسللت صاعدة من الماء خطفتها
وهنا جلس كلكامش وبكى”
وعندما تقول المرأة البغي لأنكيدو: “أنت حكيم يا أنكيدو، لقد أصبحت كما الإله”، وتغريه بالتخلص من الجلود التي يرتديها، وبان يحلق لحيته ويضمخ نفسه ثم تقوده إلى (أريخ) حيث ينتظره كلكامش، وهذا يذكرنا حتماً بالإصحاح الثالث من سفر التكوين حيث تعد الأفعى آدم بأنه سيصبح حكيماً وشبيهاً بالله ويعرف الخير والشر إذا قارب الثمرة المحرمة..
نستنتج أنه إذا كان لذلك مغزى فهو إن الإنسان لا يستطيع أن يسرق الطعام الذي خصت به الآلهة نفسها وحدها.. فالحية على ما يظهر كانت بأمر من الآلهة قد انتزعت من الرجل ما ليس به حق.
ـ كلكامش في الأسطورة اليونانية:
في مجال الأسطورة تطرح ميثولوجيا الحضارتين موضوعات طريفة لعلم الميثولوجيا المقارن، ولكننا سنقتصر على متابعة أثر ملحمة كلكامش في الأقاصيص وبعض الشخصيات الأسطورية اليونانية:
كلكامش وهرقل: تقدم لنا شخصية هرقل مثالاً واضحاً للمقارنة مع شخصية كلكامش، أبوه الحقيقي هو الإله زيوس.. ولعل  في اسم هرقل نفسه دلالةً ما على صلة هرقل الاسم بكلكامش، فالشطر الأول من الكلمة (Herk ) قد يكون تحويراً بسيطاً لاسم مدينة إيريك أو اوروك.. أما الشطر الثاني فقد يكون مشتقاً من الكلمة اليونانية (Lis أو Lies ) التي تعني الأسد، فقد يكون دلالة الاسم (أسد إيريك) وهو كلكامش، وهو قوي جداً قوة كلكامش.. وقد قصد هرقل تحقيق الخلود وصحبة الآلهة، كان يتحرك كإله ويفعل كإله وانتهى كإله..
أما كلكامش فقد كان متسائلاً، متحدياً.. شرع هرقل بأعماله الخارقة موقناً منذ البداية بحسن النهاية عارفاً أنه قادر على كل شيء. أما كلكامش فقد شرع في رحلته غير موقن من شيء سوى أمل الإنسان.. كما أن أنكيدو عندما وقع فريسة المرض فيموت، وهنا وصف مؤثر لأحزان كلكامش وطقس حداده الذي يؤديه لصديقه مذكّراً بشعائر الحداد التي يؤديها (آخيل لباتروكليس) وتأثير أنكيدو على كلكامش يتفق تماماً مع قول بوسانياس عن تأثير الحب العلوي لا المبتذل على أولئك الواقعين في قبضته، ولقد تحقق خلاص أوروك عندما صرف أنكيدو طاقة كلكامش الشهوانية بعيداً عن نوع الحب الشائع ووجهها نحو الحب العقلي وبعبارة أخرى بعيداً عن شكل الحب الدنيء إلى شكله العلوي.. والتحول في شخصية كلكامش هو بالضبط عين التحول الذي كان بمقدور كل من فايدروس وبوسانياس أن يتنبآ به. فقد كان كلكامش عظيماً.. الحكمة والقوة متلازمان في إنسان كلكامش، لذا كان كامل الحسن والجمال، وقد أحسن الإله العظيم خلقه.
ومن المفيد هنا جداً ربط ما يأتي في ملحمة كلكامش بما يأتي في الأساطير السومرية والبابلية والآشورية بشأن خلق الإنسان ووصفه.. لا وجود للثنائية في إنسان كلكامش .. بل ثمة توازن وجودي عظيم.. فلا النفس مترفعة عن الجسد، ولا اثر للانتقاص من كرامة الإنسان ووحدته.. بل لا ذكر للنفس والروح كعنصر متميز في الإنسان.. وحين يأتي ذكر الجسد والجسم فللدلالة على الخاصية المادية للإنسان ككل.. والفكر العراقي القديم بذلك أقرب إلى الفكر المعاصر من الفكر اليوناني الذي كرّس الثنائية كيانياً وقاد إلى تشويهات عدة عبر العصور.

ـ كلكامش في الأدب العربي:
لقد أثرت هذه الملحمة تأثيراً في العربية وأدبائها.. فها هو ذا الدكتور نذير العظمة متأثراً بموضوع الملحمة، وقد اقتبس من موضوعها لمسرحيته لا بل إنه يعيد هذه الملحمة ثانية على شكل مسرحية، وهو متأثر أيضاً حتى بعنوانها، فسمى مسرحيته (أوروك تبحث عن كلكامش) وهي مسرحية في اثني عشرة لوحة، ففي اللوحة الثانية عشرة: إضاءة: (في أوروك هيكل عشتار). أنكيدو يصيب من التنين مقتلاً ويصيبه التنين بجراح بالغة، كلكامش يتجه إلى القصر لينهي حكم الكهنة ويتصدى لأطماع كيش ويجر أعوانه التنين المصروع إلى أوروك وأنكيدو ينازع على حافة الموت.. مأساة كلكامش تتفتح من جديد، حزنه على أنكيدو ورثاؤه:
“إنني أبكي صديقي أنكيدو
أبكي بحرقة النساء الندابات
كأن البلطة إلى جنبي، والقوس في يدي
حلة عيدي، فرحي الوحيد.
صرعنا خمبابا ساكن غابة الأرز
فأي نوم هبط عليك
فغبت في ظلام كلماتي”
وكعنوان مشابه تقريباً نظم الدكتور شاكر مطلق معلقة بعنوان: (معلقة كلكامش على أبواب أوروك) وفي هذا الكتاب قصائد متنوعة، ولكنه في نهاية الكتاب يعطي لمحة عن الملحمة ويعرّف شخصيات الملحمة فهو قد تأثر بهذه الملحمة تأثراً كبيراً فينظم أبياتاً من الشعر بالأوزان العروضية وهو يوجه كلامه لكلكامش:
أبغي الخلود ولن أكون من الثرى
 إن اختلاب العمر فيه رهيبُ
ووصلت أقصى العالمين وصاحبي
 مثل الجهام على الرمال حبيبُ
لكنه الموتُ الطلوبُ يحيلنا
 مثل المنين وحظنا التغريبُ
أبرز ميزة في أدب العراق القديم مما قد لاحظه القارئ لملحمة كلكامش: أبرز ميزة يشترك فيها مع الآداب العالمية القديمة كثرة التكرار والإعادة.. مما يبعث السأم والملل أحياناً في بعض المواقف في ملحمة كلكامش وأسطورة الخليقة البابلية.. كذلك استباق الحوادث أو بالأحرى استباق ما ستتمخض عنه القصة: أي الحل والنهاية، والواقع أننا نجد ما يضاهي ذلك في الملاحم العالمية الكبرى في مثل الإلياذة والأوديسة والملحمة الجرمانية..
والواقع أنها تعد من روائع الأدب الإنساني عبر العصور، ورغم أنها بشكلها الأخير تعود لأول الألف الثاني قبل الميلاد فإنها ما زالت حتى اليوم، حيةً نابضةً، تهز قلب ووجدان قارئها في كل مكان.. وما من شك أن هذا النص الشعري العظيم (ملحمة كلكامش) قد أضاء وكشف عن جوانب رائعة من حياة الإنسان في هذه المنطقة، وعن إشكالياته الوجودية أمام مسائل كالموت والحياة والديمومة والعلاقة الملحمية المتوترة مع الطبيعة، كل ذلك بأسلوب شعري مدهش أخّاذ، متماسك متميز سواء في نصه الأصلي القديم أم في الترجمات..